- amal.alkinani

- 3 days ago
- 5 min read
Updated: 16 hours ago
تخيلوا أننا نعيش في "المدينة الفاضلة" للذكاء الاصطناعي؛ حيث كل شيء يعمل بدقة متناهية، والجميع يحمل تخصصات تقنية وهندسية وطبية ومالية. ثم فجأة، يقع عطلٌ في "المعنى"، وتتوقف البوصلة عن الإشارة للحق والجمال.
في تلك اللحظة، نبحث عن "سارد" يفسر لنا كيف وصلنا إلى هنا، أو مهندس بيان يعيد صياغة هويتنا التي تبعثرت بين الأكواد، أو عن "ممحص" يقرأ في جذور المشكلة، أو مقتفٍ لأثر الأزمات الغابرة ليخبرنا كيف نجا من قبلنا، أو محللين للنسيج البشري قادرين على تفسير لماذا يضطرب المجتمع رغم وفرة الرفاهية.
لا نجد إلا صمتاً مطبقاً؛ لا حراس للذاكرة، أو مؤرخين يمحصون الماضي، أو أدباء يفككون شفرات النفس البشرية ويعالجون ندوبها بالبلاغة.
هل تعتقد أن هذا العالم هو ما تفرضه تحديات السوق وتسعى إليه اندفاعة "البلدوزر" التي تظن أن حذف صنّاع الفكر، وموثقي الزمان، وقارئي تحولات الأرض والناس هو مجرد "تحسين كفاءة"، أم هي عملية "إخلاء قسري" للوعي البشري؟
الجامعة بين "رشد" البوصلة و"تجويف" الإنسان
يرى الدكتور نايف بن نهار ، مدير مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر، أن العلم بدون "بوصلة" تضبطها وعيُ وقيم الدين والروح هو تيهٌ معرفي يفتقر إلى الغاية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الحفاظ على المكتسبات المعرفية التي تمثلها الكيانات التعليمية الراسخة، وفي مقدمتها جامعة الملك سعود التي تُعد صرحاً أكاديمياً عريقاً يمتد تاريخه لسبعة عقود؛ إذ إن مراجعة البرامج الإنسانية تستدعي رؤيةً توازن بين استحقاقات سوق العمل المتغيرة، والدور الجوهري للعلوم الإنسانية في صياغة الوعي وحمايته من التجويف، وكذلك حاجة اقتصاد المعرفة المستقبلي لكوادر تمتلك مهارات التفكير النقدي و التفكير الإنساني والشمولية الإدارية؛ لضمان الاستمرار في أداء دورها الشامل الذي يجمع بين الكفاءة المهنية والعمق القيمي والمعرفي.
إن جامعة الملك سعود لم تكن يوماً مجرد قاعات للمحاضرات، بل المحضن الذي صاغ عقول رموز المجتمع السعودي، من مؤرخي دارة الملك عبد العزيز كالدكتور فهد السماري، إلى مهندسي الفكر الإداري والاجتماعي كالدكتور عبد العزيز الخويطر والدكتور خالد العنقري. وهذا الإرث يثبت أن العلوم الإنسانية ليست ترفاً، بل هي 'مصنع القيادات' الذي يمد مجتمعنا الرؤية لا مجرد مهارات تنفيذية.
إن التخلي عن هذه التخصصات في 'جامعة القادة' قد يحول العقل البشري إلى 'أداة' تقنية محدودة الأفق، في وقت يتجه فيه العالم نحو 'اقتصاد المعرفة' الذي يرتكز على التفكير النقدي والذكاء العاطفي؛ وهي مهارات تمثل العلوم الإنسانية عمودها الفقري.
إن قرار إيقاف القبول في بعض البرامج الإنسانية يتجاوز كونه إجراءً عابراً، ليطرح تساؤلاً حول المرجعية لهذه التحولات؛ فثمة خشية من الاعتماد على نماذج استشارية قد تغفل الخصوصية الثقافية والسياق التاريخي للعقل العربي.
إن استعارة 'القوالب الجاهزة' التي نجحت في بيئات مغايرة لا تضمن بالضرورة مواءمتها لاحتياجاتنا الوطنية. فصروح العلم ليست 'قائمة طعام' تُحذف منها الأصناف الأقل طلباً لرفع هامش الربح أو مواكبة تقلبات الطلب اللحظي؛ فالجامعة تؤدي دوراً لا يمكن اختزاله في معايير الربحية المادية اللحظية التي قد تتغير بتبدل الظروف الاقتصادية.
قد يكون من الجيد النظر إلى النماذج العالمية، إذ نجد أن كبرى الجامعات التقنية مثل MIT عبر نظامها (HASS) وستانفورد ببرنامجها (CS+X)، لم تلغِ الإنسانيات، بل دمجتها في صلب العملية التعليمية؛ إيماناً بأن المهندس أو المبرمج الذي لا يفهم مجتمعه وتاريخه هو تقنيٌ منقوص التأثير.
في سياقنا المحلي، فإن القفزات التي تشهدها المملكة العربية السعودية اليوم في مشاريع "أنسنة المدن" وبرامج "جودة الحياة"، ليست مجرد مشروعات هندسية، بل هي تجسيدٌ لفكر قادة آمنوا بأن "المكان" بلا "ثقافة" هو جسد بلا روح. فنحن نرى كيف أن نجاح الوجهات، كـ "الدرعية" و"العلا"، لم يقم على براعة التشييد فحسب، بل على قدرة "المثقف والمؤرخ السعودي" في صياغة سردية تاريخية منحت تلك الحجارة قيمةً لا تُقدر بثمن، وجذبت العالم إلينا بـ "لغة" تفيض بالسمت والوقار.
لذا، فإن ما نحتاجه في جامعة الملك سعود ليس 'روشتات' مستوردة، بل 'تأصيل معرفي تطبيقي' يجعل من اللغة والتاريخ والقيم نظام التشغيل (OS) للعقل السعودي، وليست مجرد 'برامج إضافية' تُحذف عند أول أزمة ميزانية؛ وبذلك تتطور هذه البرامج لتواكب العصر دون أن تفقد روحها، لتظل الإنسانيات هي الضامن لأصالة الرؤية واستدامة الأثر.
حين يغيب السمت ورصانة الفكر
حين يغيب "السمت" تضطرب الهيبة؛ ولنا في سخرية العالم من عثرات الرئيس ترامب الإملائية واللغوية عبرة؛ فما نفعته أرقام النمو الاقتصادي حين افتقر لأبسط قواعد السمت الفكري ورصانة السرد، مما جعله مادةً للتهكم العالمي حتى من الأطفال، وباتت منصات التواصل تمارس عليه دور "المعلم" الذي يصحح للتلميذ أخطاءه باللون الأحمر.
ولا يغيب عن الأذهان الصراع بين "القدرة التقنية والفيزيائية" و"المسؤولية الأخلاقية" في القنبلة النووية؛ فبينما كان مشروع مانهاتن يمثل ذروة التفوق في الفيزياء، عاش علماؤه معضلةً وجودية لم تحلها المعادلات الرياضية؛ فنجد أن "روبرت أوبنهايمر"، المدير العلمي للمشروع، لم يجد في الفيزياء عزاءً لحظة الانفجار، بل استنجد بالنصوص الفلسفية القديمة ليعبر عن هول ما صنع ولتقييم نتاجه التقني. إن هذه اللحظات التاريخية تثبت أن أعظم العقول العلمية في العالم، حين وضعت البشرية على حافة الفناء، لم تعُد إلى مختبراتها لتجد الحل، بل عادت إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية لتستلهم منها.
فهل نريد أن نخرج تقنيين وأفراداً بلا "لسان"، يسهل كسر هيبتهم المعرفية عند أول سطر؟ شخصياً، لا أعتقد ذلك؛ لا نبحث عن خريجٍ يتقن التفاعلات أو البرمجيات فحسب، بل عن إنسانٍ يدرك أن كل ابتكار تقني أو علمي هو في جوهره "عقدٌ أخلاقي" مع المجتمع، وهو ما لا تزرعه إلا الإنسانيات (الآداب والفنون والدين والتربية) بجذورها العميقة.

نماذج من خطابات الرئيس الامريكي
لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم
إن الحجة القائلة بأن هذه التخصصات "فاشلة" هي حجة واهية؛ فكما قال غازي القصيبي: "لا توجد تخصصات فاشلة، بل توجد عقول فاشلة".
الحل لا يكمن في الإغلاق الذي يشبه "إعدام" الذاكرة، فتفقد الجامعة هويتها، بل في "إعادة هندسة" هذه البرامج لتكون ذات قيمة حقيقية دون أن تعيق الجامعة من الوصول إلى مستهدفاتها عن طريق سياسة "لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم"، اقترح عدد من الخبراء:
أولاً: رفع معايير القبول لتصبح هذه التخصصات للمبدعين والنابغين فقط؛ لا "مساراً افتراضياً" للتائهين أو "المضطرون".
ثانياً: تطبيق نظام (Minor) لا يكتفي بالقشور، بل يربط المهندس بجذوره التاريخية، ليعرف لماذا يبني وماذا يبني، ممتثلاً لمقولة تشرشل: "كلما رجعت بالذاكرة إلى الوراء أكثر، استطعت أن ترى المستقبل أبعد".
فالتقني الذي لا يقرأ التاريخ لن يفهم حركة المستقبل، والمبرمج الذي يجهل الفلسفة لن يدرك أبعاد 'أخلاقيات البيانات'. إننا بحاجة إلى خريجٍ لا يتقن 'لغة الأرقام' فحسب، بل يمتلك "السمت والرشد" الذي يجعله قادراً على تمثيل وطنه برصانة، فلا تكسره كلمة، ولا يهز هيبته سطر.
ثالثاً: أن تظل الجامعة صرحاً لإنتاج الفكر، لا مجرد "مركز تدريب كبير “. مع أهمية ربط المخرجات بأهم التخصصات، لضمان أن كل خريج هو "مشروع وطني" وليس رقماً في طابور البطالة.
ختاماً..
إن الجامعة التي تختار الكفاءة وتضحي بالهوية، هي جامعة تقطع يدها لتوفر ثمن القفاز. إن الجامعة الطموحة هي التي لا تختار بين الكفاءة والهوية، بل تديرهما معاً برشد.
إن إفراغ الجامعات هو انتحار ثقافي ناعم. نحن بحاجة إلى "الممحصين" الذين قال عنهم ابن خلدون إنهم ينظرون في "باطن التاريخ" لتعليل الكائنات، لا إلى مجرد "موظفين" يسدون فجوة في سوق عمل قد يتغير غداً، ونبقى نحن بلا تاريخ.. وبلا خيال.
السيادة اليوم ليست لمن يملك "التقنية" فحسب، بل لمن يملك "القصة" و "البوصلة" و "الرشد". وبدون ساردين وممحصين، سنبقى مجتمعاً "مجوفاً"، يسهل اختراقه وتوجيهه، فاقداً لأهم ميزة تنافسية في التاريخ: العقل.
ملاحظة: كلمة رُشد الواردة في سياق المقال من بنات أفكار المفكر الدكتور نايف بن نهار، وذلك ورد التنوية.






















